ابن سبعين

340

رسائل ابن سبعين

بالتركيب منها عليها بها إليها ، وتنزل بالتحليل كذلك ، فمن حقق ماهيتها ، وطلبها بالواحد الأول الذي لا أول له تجوهر بالجوهر المذكور ، وحكم ما بعده ، وتصرف فيه بالنعمة المذكورة ، ومن طلب ماهية ماهيتها وجدها بين جوهره وتعلقه ، ومن طلبها من ماهية ماهية ماهيتها وجد المنعم ، وظفر بالفيض السيال ، وكان هو النعمة بعينها . وحينئذ يبعث خبره في خلده ، ويرسل قصده في ذاته إلى بلده ، ويطلب قواه بامتثال أمر واوه الأول وكافة الثاني ، وميمه اللازم ، ويأمر أهل عالم خلقه بمكارم الأخلاق ، ويحض كل عالم أمره على احترام أمره ، ويأمر المتقدم ممن ذكر أن يسجد للمتأخر ، ويطلب الكل بقول : لا أول إلا أول الأول ، وهو المطلوب ، ولا آخر إلا آخر الآخر وهو هو ، ولا ظاهر إلا ظاهر الظاهر وهو الكل ، ولا باطن إلا باطن الباطن وهو الأصل ، فلا وجود لشيء إلا منه وبه وعنه ، هو ماهية كل شيء ، وبد كل شيء ، وبه كل شيء ، وهو الثابت قبل كل شيء . ثم يصل القول الأول بكلمة الحق الجامعة المانعة التي مدلولها : لا إله إلا اللّه . وحكمها قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] . وحقيقتها : « ما خلا اللّه باطل « 1 » » ، ففكر أيها المخاطب في النعمة المذكورة ، ثم فكر في فضل المنعم المذكور في جوهرك ، ثم في فكرك ، ثم في ذكرك ، ثم أصلح شأنك بالكلمات المذكورة قبل ، فإذا استقام صلاحها وإصلاحها ، وأيّدت بالنعمة ، وشرفت بالفضل ، وخصصت بالجوهر الذي يطلق مع النعمة بترادف كما تقدم ، وجبت خلافتك ، وتفرح بنفسك ، وتستجلب من مفهوم سورتك صورة أنسك ، فإذا كنت كذلك ، وإلا فعليك بالدعاء الذي طلبته ، وسنته أن تجمع من كلمات التنزيه ، وأسماء الذات والصفات والأفعال ، وتكتب بالحروف المتحابّة ، وتصنع منها سورة حادثة صناعية ، وتقرأ قبلها سورة « الفتح » من كلام اللّه القديم ، وتتوجه بعد طهارة المحل من العلائق ، وتلجأ إلى التخلّي والتحلي ، والتجلي عند خبر الاضطرار ، وتقدر في الذهن باب والمنة ، والهمة خلفه واقفة بحسن الظن ، وتستأذن بإفراط الأدب ، وتنادى المنعم بالكلمات التي دونت ودرست وصرفت في العصر التي درست ، وبها بعث البشير النذير ، وبها يشير المشير . فإن كنت تعلمها وإلا اقرأ كتاب اللّه ، وحيث تخشع اقرع باب المنة ، وأين تخضع افزع إلى إمام السّنّة ، وخذ من القرآن الثاني ع ح بعد الأول بما تستفتح الأول ، وقدم على

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1395 ) ، ومسلم ( 4 / 1768 ) .